ابن أبي الحديد

264

شرح نهج البلاغة

لان الله تعالى وعده بظهور دينه ، وعاقبة امره فيجب على قولك الا يكون مثابا عند الله تعالى على ما يحتمله من المكروه ، ولا ما يصيبه من الأذى إذ كان قد أيقن بالسلامة والفتح في عدته . قال الجاحظ ومن جحد كون أبى بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فقد كفر لأنه جحد نص الكتاب ، ثم انظر إلى قوله تعالى ( إن الله معنا ) ( 1 ) من الفضيلة لأبي بكر ، لأنه شريك رسول الله صلى الله عليه وآله في كون الله تعالى معه وإنزال السكينة ، قال كثير من الناس انه في الآية مخصوص بأبي بكر ، لأنه كان محتاجا إلى السكينة لما تداخله من رقة الطبع البشرى ، والنبي صلى الله عليه وآله كان غير محتاج إليها ، لأنه يعلم أنه محروس من الله تعالى ، فلا معنى لنزول السكينة عليه ، وهذه فضيلة ثالثة لأبي بكر . قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله إن أبا عثمان يجر على نفسه ما لا طاقة له به من مطاعن الشيعة ، ولقد كان في غنية عن التعلق بما تعلق به ، لان الشيعة تزعم أن هذه الآية ، بان تكون طعنا وعيبا على أبى بكر ، أولى من أن تكون فضيلة ومنقبة له ، لأنه لما قال له ( لا تحزن ) دل على أنه قد كان حزن وقنط وأشفق على نفسه ، وليس هذا من صفات المؤمنين الصابرين ، ولا يجوز أن يكون حزنه طاعة ، لان الله تعالى لا ينهى عن الطاعة ، فلو لم يكن ذنبا لم ينه عنه ، وقوله ( إن الله معنا ) أي إن الله عالم بحالنا وما نضمره من اليقين أو الشك ، كما يقول الرجل لصاحبه لا تضمرن سوءا ولا تنوين قبيحا ، فان الله تعالى يعلم ما نسره وما نعلنه ، وهذا مثل قوله تعالى ( ولا أدنى من ذلك ولا أكثر الا هو معهم أينما كانوا ) ( 2 ) ، أي هو عالم بهم ، واما السكينة

--> ( 1 ) سورة التوبة 40 . ( 2 ) سورة المجادلة 7 .